RACHAYA AL FOUKHAR - LEBNAN
Introduction
General Info
Rachaya around the world
Rachaya in media
Photo Album
News

تقديم
معلومات عامة
العائلات الريشانية واصولها
تاريخ وحكايات
شهداء راشيا الفخار
رجالات من راشيا
History of Saint Georgious church
Christmas Choral 2006

Contact Us
Links

Search the site

Admin
History of Saint Georgious church
         

كنيسة القديس جاورجيوس

للروم الارثوذكس – راشيا الفخار

تاريخ من الإيمان

والصمود في الارض

إهداء الى كل من ساهم في رفع حجر في كنيسة القديس جاورجيوس في راشيا الفخار، إن بالعرق والجهد او المال من أجل ان تبقى هذه الكنيسة شامخة ومرتفعة وشاهدة على تجذر المسيحيين في لبنان

تقديم

هذا التاريخ الصغير لكنيسة القديس جاورجيوس في راشيا الفخار، هو تاريخ كل بلدة مسيحية في لبنان. وما جمعته على هذه الصفحات ليس الا جزءا يسيرا من تاريخ كبير لهذه الكنيسة العظيمة الممتدة جذورها عبر مئات السنين، لكن تعاقب الايام والنوائب التي حلت بأهالي راشيا اسوة بأهالي الجنوب عامة،  ادت الى ضياع هذا التاريخ واندثاره. وما ننشره هو ما وصل الينا من شيوخ بلدتنا اما مباشرة او عبر اولادهم واحفادهم اضافة الى ابحاث خاصة في مراجع كتب التاريخ والكنيسة والادب اللبناني.

الشكر في اعداد الكتيب الى قدس الاب موسى الخوري سليل عائلة البديوي المقدسة في الكهنوت والتي قامت على خدمة كنيسة القديس جاورجيوس منذ عشرات السنين. شكر الى الاستاذ حنا عازار زغيب الذي حفظ ودون ما رواه والده المرحوم عازار زغيب. شكر الى حبيب موسى الخوري، وشكر الى عيد العدس – ابو عفيف وغيرهم كثر من الذين ساهموا في حفظ تاريخ الكنيسة القديس جاورجيوس وإن في الذاكرة كي لا تضيع في غياهب النسيان وتطويها الايام وتبقى ذخرا للاجيال القادمة التي تتناسى جذورها وتاريخها.

شكرا الى من ساهم في اعادة ترميم وتأهيل الكنيسة والقاعة الرعوية ومنزل الكاهن بالدعم المادي والمعنوي:

سيادة مطران حاصبيا ومرجعيون الياس كفوري الجزيل الاحترام.

منظمة فرسان مالطا.

دولة قطر.

البعثة البابوية.

شركة دباس للانارة.

بنك الاعتماد اللبناني.

وكل اصحاب الهمة والمروءة من ابناء راشيا الفخار واصدقائها في لبنان وديار الانتشار دون استثناء، وخصوصا غسان ضاهر منصف وبيار شكرالله عطاالله واعضاء لجنة   الوقف الارثوذكسي التي تضم كاهن الرعية فخري كريم مراد، حبيب موسى الخوري، مروان سميح عبدالله، شكرالله فؤاد عطاالله، عاطف ضاهر منصف، يوسف نعمة الله وهبي، كريم مراد وراجي نعيم الخوري على ما قاموا به من جهد لمجد كنيستنا وبهائها.

مقدمة

تركزت حياة المسيحيين في لبنان والشرق حول كنيستهم بالمعنى اللاهوتي والاجتماعي، يستمدون منها الثبات في الارض والتعلق بالايمان والرجاء للمستقبل، وهكذا تحولت الكنائس الى مرساة للمسيحيين يلتجئون اليها في الملمات والافراح  وكل المناسبات.  وبالطبع لم يخرج ابناء راشيا الفخار عن هذا التراث المسيحاني المشرقي وهم الذين قامت بلدتهم عند سفوح حرمون، احد جبال الاراضي المقدسة التي شهدت تجوال السيد يسوع المسيح في حلوله بيننا.

ارتبطت كنيسة القديس جاورجيوس بتاريخ البلدة وحياتها على مر مئات السنين، والمسيحيون على الارجح في راشيا والجنوب من الجماعات المسيحية الاولى في لبنان، والذين شربوا الخمر في عرس قانا لا بد انهم استقوه من جرار الفخار المعتق الذي صنعته الايدي الماهرة في راشيا.  ودون ادنى شك فقد ارتوى السيد في مشغله في الناصرة من اباريق فخار راشيا وجرارها والتي كانت تنقلها قوافل المكارين الى الجليل الاعلى في شمال فلسطين.

تحتضن راشيا اللغة الآرامية – السريانية في ثنايا اسمها، وتحمل معها ارثا وشاهدا حيا على اللغة الاقدم في بلاد الشرق والتي انتشرت من سفوح حرمون حيث كانت تسكن القبائل الآرامية – السريانية. واسم راشيا بالذات انما مشتق من اللغة التي تحدث بها السيد يسوع المسيح على الصليب، ولا تزال هذه اللغة الآرامية شاهدة حية حتى اليوم في قرية معلولا السورية عند سفح حرمون الشرقي او المقلب السوري من الجبل. واستنادا الى الاديب الكبير أنيس فريحة فقد أشتقت تسمية راشيا من كلمة "ريشاي" الآرامية التي تعني الاسياد او السادة والزعماء والمقدمون نسبة الى القوم الاشداء الذين سكنوا في تلك الانحاء الجميلة والوعرة المسالك منذ قديم الزمان، ثم تطورت الكلمة مع العرب من راشانا المفخمة التي تشدد في اللغة الآرامية- السريانية الى كلمة راشيا التي اختارها العرب لسهولة لفظها. وبقيت كلمة الفخار التي كانت ايضا محاولة عربية لترجمة الاسم السرياني Pakhara او "فاخارا" وتعني الخزاف او الفخار الذي اشتهرت به راشيا منذ ايام الاراميين وحتى العرب وصولا الى الأزمنة الحديثة.

منذ البدء: مسيحيون

كانت المسيحية في راشيا وكل الجنوب منذ ان تقبلت العشائر الارامية المقيمة عند سفوح حرمون البشارة المسيحية، وكل البقعة المحيطة في كفرحمام وكفرشوبا والماري وكوكبا وإبل السقي مثلا هي أسماء آرامية-سريانية، وفي تحديد هؤلاء الاراميين جاء في "سفر القضاة" (3:3) : "... انهم جميع الكنعانيين والصيدونيين والحيويين المقيمين في جبل لبنان، من جبل بعل حرمون الى مدخل حماه...".  وورد في "سفر يشوع" (1:13 -6): "وأرض الجبيليين وجميع لبنان جهة مشرق الشمس من بعل جاد تحت جبل حرمون الى مدخل حماه...".

ومن دون شك سمع اهل تلك الاراضي في جنوب لبنان عن بشارة السيد المسيح ورسالته. واتفقت روايات الاناجيل جميعا على ان السيد المسيح كان يعرف جيدا ضواحي صور وصيدا وهو حين اراد الاختفاء ذهب الى هناك. وعندما ندد بكثرة خطايا صور وصيدا عند انذاره لكورزين وبيت صيدا، انما كان يندد ببلدين يعرفهما جيدا ولم تكن هذه الخطايا التي تحدث عنها الا نتيجة الازدهار وحياة البذخ والرفاه التي عاشتها صيدا وصور. وعندما نعرف ان المسيح اطال الغياب عن الناصرة الى حد ان اهل قريته تساءلوا عنه لما شاهدوه يقرأ في المجمع، فإننا لا نجد تفسيرا لذلك الا انه كان يتجول في جنوب لبنان ووصل الى سفوح حرمون، وتعلم من الشعب الآرامي لغته التي نطق بها على الصليب:"ايلي ايلي لما شبقتني" ، او "طابيثا" عندما نادى الصبية المائتة لتقوم ويحقق معجزته.

قصر السيد المسيح دعوته بداية على اليهود لكن زياراته المتكررة الى صور وصيدون وانحاء جنوب لبنان كانت المنعطف الذي انطلقت منه الدعوة الى الامم. وعندما التقى الكنعانية وطلبت اليه بألحاح ان يشفي ابنتها اجابها: "لم ارسل الا الى خراف بيت اسرائيل الضالة". ولكن عند اصرارها وتعبيرها عن ايمانها بحرارة، تخلى السيد عن انكماشه وأعجب بإيمانها وقال : "عظيم ايمانك يا امرأة، ليكن لك ما تريدين". ثم مارس قدرته على الشفاء فشفيت ابنة الكنعانية. ويذكر المؤرخ يوسف الحوراني:  "هذه هي الحقيقة ان توسع يسوع برسالته لغير اليهود حدث انطلاقا من تجربته مع ساكني لبنان انذاك. وهم الآراميون الذين تعلم لغتهم وزارهم في ارضهم وسكن في ما بينهم في صور وصيدا وسفوح جبل حرمون". ويقدم المؤرخ الكبير براهين عدة واسانيد مختلفة على صحة كلامه مثل اخبار الرسل واعمالهم، اذ نجد هؤلاء وبعد كل اضطهاد لهم في ارض فلسطين على ايدي اليهود والرومان يفرون الى فينيقيا. وبعدما رجم اليهود الشهيد الاول استفانوس اجتاز عدد من المسيحيين الاوائل الى ارض لبنان. وعند ذكر الاضطهاد الذي تعرضت له الكنيسة الاولى واعجوبة خروج بطرس من السجن وحنق هيرودس وقتله للجنود الذين كانوا يحرسونه، نقرأ مع هذا الخبر مباشرة "كان هيرودوس ساخطا على الصوريين والصيدونيين، فحضروا اليه بنفس واحدة(...)". ولا نجد تفسيرا لهذا السخط الا ان تكون مدن فينيقيا وملحقاتها قد قبلت المسيحيين الفارين من الطاغية هيرودوس وطمأنتهم.

      وكتب القديس بولس بعد عودته من بلاد الاغريق قاصدا اورشليم، انه التقى بالتلاميذ واقام بينهم سبعة ايام في مدينة صور وقد شيعوه مع النساء والاولاد الى خارج المدينة، وهم يرجونه الا يذهب الى اورشليم نتيجة الاضطهاد الذي كان يعانيه المسيحيون فيها. وكذلك كانت توجد جماعات من المؤمنين في صيدا استقبلوا القديس بولس وهو اسير الرومان في طريقه الى روما واعتنوا به كما تذكر صفحات اعمال الرسل.

واذا كان تاريخ لبنان يسكت عن ذكر ما قدمته ارض لبنان للمسيحيين الاوائل وخصوصا ما عاشه جنوب لبنان من اعتناق للمسيحية وتبنيها فأن المحفورات الصخرية وما تبقى من كنائس واثار تاريخية في انحاء جنوب لبنان، تسجل تاريخا ناصعا. والمحفورة الصخرية في قانا التي تمثل شخصا حوله اثنا عشر تلميذا او تابعا، والتي كانت موجودة في برية وعرة لا مرور لطريق فيها تقدم تفسيرا لكل الكلام عن الحضور المسيحي الاصيل في انحاء الجنوب وهي شهادة على اقامة المسيحيين هناك بعيدا عن الطرق المعروفة صونا لإيمانهم. وشاء هؤلاء حتما ان يخلدوا ذكرى الاضطهاد الذي تعرضوا له والاقامة في مغارة قانا بحفر هذه الايقونة الصخرية – الشهادة التي تحمل رمز السيد يسوع المسيح وتلامذته الاثني عشر. ولا يستبعد المؤرخ يوسف الحوراني ان يكون المكان مألوفا من السيد ذاته عندما كان يتجول في تخوم صور وصيدا. ذلك انه كان يفضل النوم في البرية مع اتباعه والمكان في قانا مناسب لذلك وهو قرب صور وعلى الطريق الى الجليل وصيدا العظيمة.

شاهدة على حضورهم

منذ مئات السنين

بنيت كنيسة القديس جاورجيوس في راشيا منذ مئات السنين على عادة المسيحيين في لبنان في موقع معبد وثني او قلعة لا تزال بعض حجارتها الاثرية الضخمة موجودة في جدران الكنيسة وفي محيط ساحة البلدة ومنطقة "التوان" (جمع أتون صناعة الفخار). وارتفعت الكنيسة عند اعلى هضبة في البلدة واكثرها اشرافا بحيث ان القادمين الى راشيا من جهة بيادرها الشمالية ام الغربية ام من كروم الغرب واحراج الحمى وحتى من ناحية بلدة الماري، يشاهدون كنيسة القديس جاورجيوس رابضة بكل هيبتها وعظمتها وقبابها قبل كل منازل البلدة الغارقة وسط خضرة سفوح حرمون، في هذه الكنيسة تركزت حياة الجماعة المسيحية في راشيا وتكوكب حولها السكان في زمن كانت البلدة ارثوذكسية انطاكية برمتها. واورد كتاب "تاريخ الامراء الشهابيين" الصادر عن دار لحد خاطر، اثباتا لا لبس فيه لإصالة المسيحيين  في راشيا، حيث ذكر انه حوالى العام 1613 م. دارت النفرة والضغينة بين الامير علي شهاب واخيه الامير احمد، فكان ان اوغر الامير احمد صدر الوزير احمد باشا الحافظ على اخيه علي الذي كان متحالفا مع  الامير فخر الدين المعني الثاني الكبير، فوعده الوزير العثماني بذلك بعد الفراغ من قتال آل معن. وبلغ الامير علي ذلك فداخله الخوف ونهض من حاصبيا الى راشيا الفخار وابقى اهله فيها (في حماية اهلها المسيحيين) ثم جمع رجاله وسار الى الامير يونس ابن فخر الدين الاكبر وعاهده على القتال. ولاحقا انكسر الامير احمد فهرب بدوره الى راشيا الفخار ملتجئا الى اهلها المسيحيين المتحصنين وسط الطبيعة القاسية، ومن راشيا توجه الى عرمتا خوفا من اخيه الامير علي، وتتأكد هذه الواقعة التاريخية في كتاب "لبنان في عهد الامير فخر الدين المعني الثاني" من منشورات الجامعة اللبنانية – قسم الدراسات التاريخية(...).  

لم نعثر على وثيقة رسمية عن تاريخ بناء الكنيسة، ولكن الاكيد انها كانت اصغر حجما (نصف الكنيسة الحالية) تفي بحاجة المؤمنين الى الصلاة والتعبد لربهم، واثناء ترميم الكنيسة خلال العام 2007 ظهر ان زوايا الكنيسة الاربع وخصوصا الشرقية منها (لجهة الهيكل) قامت على اسس صلبة وحجارة ضخمة لا تمت الى الهندسة الحديثة بصلة بقدر ما تتصل بأسلوب الأقدمين في بناء معابدهم على قاعدة حجر الزاوية، كما كان واضحا عند الحفر في ارض الكنيسة من الداخل ان الردميات الموجودة فيها وغالبها من قطع الفخار القديمة انما تعود الى زمن قديم جدا. واستنادا الى روايات شيوخ البلدة وفي مقدمهم قدس الاب موسى الخوري في مقابلة معه ومرويات المرحوم عازار زغيب الذي نقل عن عمه المرحوم الحاج زغيب عازار زغيب الذي كان وكيلا للوقف والذي نقل عن اهله ايضا، فأن الكنيسة كانت قائمة اواخر القرن السابع عشر مطلع القرن الثامن عشر، وكان كاهنها يدعى الخوري جرجس شلهوب، جد عبدالله نعمة شلهوب الذي تكنى عائلة عبدالله باسمه اليوم في راشيا وكانت الكنيسة الصغيرة تجمع الاهالي في كنفها وهناك رواية انها كانت بلا سقف يقيها الى ان عمد الاهالي الى بناء سقف من التراب والاخشاب .

بعد وفاة الخوري جرجس خدم الكنيسة الخوري جرجس العرباني، الى حين وفاته فخدم الرعية الخوري جبور البديوي من 1818 الى 1851 (جد عائلة الخوري موسى الخوري وكبيرها)، ومعه ابتدأت مسيرة عائلة البديوي الكهنوتية الطويلة على مر السنين. وبعده خدم الخوري زخريا حردان لفترة قصيرة الى ان سيم الخوري انطون جبور البديوي كاهنا من العام 1851 الى 1888.

الخوري انطون البديوي

توسيع الكنيسة وترميمها الاول

مع الخوري انطون بدأت مرحلة جديدة من تاريخ الكنيسة اذ في ايامه انهار قسم من سقف الكنيسة القديمة والصغيرة والتي كانت المحادل تستعمل لتسوية سطحها في فصل الشتاء. وكان الاهالي يأخذون حجارة معهم ويضعونها تحت اقدامهم للوقوف عليها وعدم "التخبيص" في الوحل داخل الكنيسة.  لكن الامر لم يستمر طويلا فقد هدم الاهالي الكنيسة القديمة التي كانت تشمل الهيكل الحالي والقسم الامامي المخصص للرجال واشادوها حتى العتاب (اي بداية العقد). ولبناء الكنيسة وتصميمها حكاية طريفة تروى عن التنافس بين ابناء الطائفة الارثوذكسية على محبة كنيستهم واعلاء شأنها تلك الايام. فقد كان اهالي راشيا الذين عمل غالبيتهم في صناعة الفخار يلتقون بأبناء مرجعيون المجاورة على دروب المكارين في تجارة الفخار وبيعه في الجولان وفلسطين حيث ذهبت  القوافل المحملة بالصناعات الفخارية من اباريق وجرار الى اسواق صفد وجباتا الزيت والقنيطرة وصولا الى حوران. واخذ تجار مرجعيون يعيرون من يلتقوهم من تجار راشيا بأصحاب "الكنيسة المفخوتة" وتكرر الامر مرات عدة، ما اثار حفيظة اهالي راشيا ودفعهم الى اتخاذ القرار بقيادة الخوري انطون البديوي لتوسيع الكنيسة وترميمها وجعلها الافضل والاكبر في المنطقة. فكان ان اخذوا مقاسات كنيسة الروم الارثوذكس في مرجعيون وعمدوا الى توسيع كنيسة القديس جاورجيوس في راشيا لتكون اكبر من كنيسة مرجعيون واضخم بما يكفي لتتسع لها.

وفي الرواية التاريخية المنقولة عن شيوخ البلدة ان اهالي منطقة العرقوب مسلمين ومسيحيين كانوا يجتمعون معا عند الشروع في بناء مسجد او كنيسة كي يعملوا "عونة" من اجل البناء، وهذا ما حصل عند توسيع كنيسة راشيا حيث اجتمع اهالي كفرحمام وكفرشوبا مع اهالي راشيا وامتد صف الرجال والنساء من القصعة الى راشيا، رجال تقلع الحجارة وتشذبها وتنحتها ثم تتناولها الايدي وصولا الى التلة المرتفعة التي اخذت الكنيسة ترتفع عليها مكان الكنيسة القديمة الصغيرة الحجم، وكان الاهالي قد استقدموا معلمي بناء الحجر او البنائين المهرة الى الكنيسة من بلدة الشوير في جبل لبنان، والذين اشتهر عنهم حسن الصنعة والفن في البناء .

ونقل القسيس حنا حردان في كتابه "الاخبار الشهية عن العيال المرجعيونية والتيمية" ان الخوري انطون سار على غرار والده في سيرة البر والقداسة وطهارة السيرة والسريرة الى ان توفي  العام 1888 . لكن مشروع بناء الكنيسة لم يتوقف، وفي انتظار سيامة احد ابناء عائلة البديوي كاهنا، خدم الرعية الخوري يعقوب حردان الذي كان خادما لكنيستي بلدة الماري والخريبة.

الخوري موسى البديوي

الترميم الثاني وتجهيز الكنيسة

سيم الخوري موسى البديوي العام 1889 وفي عهده أتم اهالي البلدة عقد كنيسة القديس جاورجيوس لكنها بقيت دون ورقة الى العام 1913، حيث انجزت في عهد وكيل الوقف المرحوم الحاج زغيب عازار زغيب، وقام باعمال الورقة المعلم نقولا نصر الملقب بالبيروتي وشقيقه جورج من ابل السقي. وايضا من الروايات المنقولة ان النساء من الرعية كن يقمن  ب "دلك" الحيطان بالصابون جريا على عادة الورقة تلك الايام وكانت كل العيال مجبرة على المساعدة بنخوة وحماس كبيرين.

في عهد الخوري موسى علقت الثريات وسافر وفد من ابناء الطائفة الى القدس في الثالث من نيسان 1913 في رحلة استمرت سبعة ايام لشراء الايقونات، وخصوصا تلك الاربعة الاثرية التي رفعت عند حائط الهيكل "الايقونسطاس" والتي ضمت ايقونة السيد الإله الضابط الكل، ووالدة الاله، والقديس جاروجيوس ومار الياس، وغيرها من مقاعد خشبية واثاث وضم الوفد عياش ذيب، نجيب الصباغ، عازار زغيب، حنا الغريب واسعد البسيط (والاخير اول رئيس بلدية في تاريخ راشيا). وبقيت هذه اللوحات الاثرية تحمل اسماء هذا الوفد والرسام الاورشليمي اشتاوري برودوس وتاريخ وضعها في الكنيسة .

شهدت رعية القديس جاورجيوس في عهد الخوري موسى انطون البديوي نهضة كبيرة، واشتهرت عنه سيرة القداسة والتعلق بالايمان المسيحي حتى بلغ من العمر عتيا، ولما زار غبطة البطريرك غريغوريوس حداد منطقة حاصبيا، لاقاه اهالي راشيا الفخار عند العين يتقدمهم الصليب المقدس والخوري موسى وهو الشيخ الوقور الجليل القدر، فترجل غبطة البطريرك وتقدم من الخوري موسى الوقور وقبل يده، وسط الهتاف والتراتيل. 

توفي الخوري موسى العام 1914 فقام على الخدمة مؤقتا الخوري الياس عيسى حردان من مرجعيون والخوري الياس حداد كاهن رعية بلاط، والخوري حبيب حرفوش كاهن رعية ابو قمحة .

الخوري حبيب البديوي

الترميم الثالث وقباب الاجراس

سيم الخوري حبيب موسى البديوي كاهنا العام 1921 واشتهر بورعه وقداسته على سيرة والده واجداده واستمر في خدمة الرعية واعلاء شأنها بكل ما أوتي من قوة، ويمكن وصف فترة خدمته بأنها مرحلة الاعمار والبناء الاكبر في تاريخ الكنيسة.

خلال العام 1932 قر الرأي في الرعية وبعد اجتماع موسع للطائفة عقد في منزل وجيه البلدة اسعد موسى ابو نقولا بحضور الخوري حبيب ووجهاء الطائفة مسعود مراد، الحاج اسعد بسيط وغيرهم على توسيع قبة الجرس الوحيدة. وكان سليمان نفاع وابن عمه حاتم في بيت شباب قد صنعاه جرسا للكنيسة. وتقرر اضافة قبة ثانية وجرس اكبر واضخم من الاول، خصوصا ان رعية الروم الكاثوليك الناشئة حديثا في البلدة كانت قد احضرت جرسا لكنيسة التجلي اكبر من جرس كنيسة الروم الاول واتخذ القرار باستقدام جرس اضخم من الموجود لدى الكاثوليك. وذهب وفد الى بيت شباب ضم مسعود مراد، اسعد بسيط والخوري حبيب حاملين معهم 85 ليرة ذهبا وهي مبلغ كبير في تلك الايام، واتفق مع سليمان نفاع واولاده وابن عمه حاتم على صب جرس ضخم يبلغ وزنه قنطارا وربعا (حوالى 315 كيلوغراما) والجنزير يبلغ وزنه سبعة ارطال، وهذا ما كان.

وفي انتظار انجاز الجرس في بيت شباب قام الاهالي ببناء القبة الثانية الى جانب الاولى  خصيصا ليوضع الجرس الكبير عليها، وذكر عيد العدس (ابو عفيف) ان بناء القبة سار بوتيرة واحدة ليل نهار دون توقف بإشراف المعلم نقولا البيروتي الى ان انتهى، وقام ابو عفيف بحفر التاريخ على اعلى القبة وهو 1932 ، وبعد انجاز العمل احتفل الجميع بذلك في عشاء عند منزل موسى ابو نقولا.  اما "قرمية" الجرس والتي يفترض ان تكون من شجر البطم بسبب متانته وصلابته فقد قطعت من احراج راشيا وتولى نديم فرح وشقيقه ادوار من إبل السقي امر نجارتها واعدادها لتلائم الجرس الموعود.   

فور انجاز العمل في بيت شباب ابلغ الاهالي بالاستعداد لاستقباله واحضر الجرس الى البلدة حيث لاقته الجموع عند العين بالحداء والصلوات، وحملوه الى الكنيسة على جسور خشبية كبيرة وقفز حفيظ خليل والد المختار الحالي جرجس خليل وجلس فيه واخذ ينفخ بالمجوز عازفا عليه والاهالي يردون من وراء مقبل الغريب بالحداء:

"وانا دخيلك، شوحي بمنديلك، والجرس جاييلك من بيت شباب" وغيرها من الردات الشعبية الحماسية.

 الى ان وصل الجرس الى باحة الكنيسة استعدادا لرفعه الى القبة الثانية وعمد الاهالي بعد اجراء الحسابات الى كسر بلاطة الرديف كي يتمكنوا من اصعاد الجرس الى السطح، وهذا ما كان، لكن الظلمة دهمت الاهالي فاضطروا الى وضعه مؤقتا عند السطح وسهر رشيد عواد وطعمه بارود حردان على سطح الكنيسة لحراسة الجرس خوفا من الاعتداء عليه. وفي اليوم التالي قام حاتم نفاع بنفسه بتركيب الجرس الضخم مع معاونيه الآتين من بيت شباب بحضور ابناء الرعية والذين ما ان انجز العمل حتى اخذوا يقرعونه طوال النهار، وذكر الاب موسى الخوري ان المكارين من اهالي راشيا الذين كانوا يبيعون الفخار في فلسطين سمعوا قرع الاجراس يومها فقالوا ها قد قرعت اجراس راشيا .

"جمعية الاتحاد الخيري الارثوذكسية"

60 عضوا ونشاطات مختلفة

تطور اخر مهم حصل في خدمة الخوري حبيب العام 1935 وتمثل في قيام "جمعية الاتحاد الخيري الارثوذكسية" ببناء جدار السور الذي يحوط الكنيسة والمدرسة بمساعدة من كرم وفضلو نقولا الخوري من بلدة الفرديس، واستمر هذا الحائط قائما الى يومنا هذا بكل ابهة وقوة. ومن المهم الاشارة الى ان هذه "الجمعية" لعبت دورا مهما في جمع ابناء الرعية وتفعيل النشاطات المختلفة بينهم وضمت 60 عضوا برئاسة الحاج عبدو منصور زغيب الذي كان مديرا مسؤولا امام الدولة اللبنانية ولاحقا ترأسها رشراش الخوري فيما كان سامي الغريب امينا للصندوق الى اعضاء منهم وجيه العدس ورشيد يوسف. وقامت "الجمعية" بتوزيع ازرار فضية على اعضائها الموزعين بين راشيا وبيروت للتعارف ومن اجل تمييز انفسهم، وعملت على انشاء مكتبة روحية جهدت في استحصال كتب ووثائق لها من بيروت ومختلف المصادر وتولى رؤوف الغريب مسؤولية تأمينها والاشراف على المكتبة. اضافة الى نشاطات روحية ورعوية كثيرة وصلت اصداؤها الى مختلف انحاء بطريركية انطاكية وسائر المشرق وصار يضرب المثل بهمة هذه الجمعية ونخوتها.

التطور الثالث كان قيام ايليا وموسى ذيب العدس بصب سطح الكنيسة بالباطون عن نفس المرحومين والديهما ذيب العدس وهيلانة غريب العدس في 25 شباط 1952 لتستكمل بذلك الكنيسة مشهدها الحالي الذي لا يزال قائما بكل اناقة .    

حصلت احداث جسام خلال خدمة الخوري حبيب، فخلالها قامت "الثورة العربية الكبرى" العام 1925 ورغم بعض المناوشات واعمال القتال فقد نجت البلدة من احداث خطيرة بسبب حكمة اهلها وشجاعتهم.  اما الحدث الثاني فكان اندلاع الحرب العالمية الثانية عندما تحولت منطقة حاصبيا-مرجعيون وخصوصا راشيا الى ساحة للقتال بين قوات الحلفاء المتقدمة من شمال فلسطين في اتجاه لبنان وسوريا وقوات حكومة فيشي الفرنسية المتحالفة مع الالمان والايطاليين، فاضطر الاهالي الى النزوح في اتجاه مناطق اخرى اكثر امانا ولم يبقى في البلدة الا عائلتان او ثلاث. وقام جيش فيشي باتخاذ كنيسة القديس جاورجيوس مقرا له بسبب موقعها الاستراتيجي ورابطت فرقة تونسية من قوات "جيش الشرق الفرنسي" بكل عتادها وخيولها في حرم الكنيسة، لكن جيش الحلفاء لم يتوان عن قصف البلدة والكنيسة بعنف، فكان ان دخلت قذيفة دبابة من الطاقة الجنوبية العليا المحاذية للمذبح، وهي المكان نفسه الذي دخلت منه القذيفة الاسرائيلية العام 2006 .

ايضا، خلال العام 1958 اندلعت احداث عنف دامية في لبنان وكانت راشيا ومنازلها وكنيستها مسرحا لها، وذكر الاديب سلام الراسي (ابن بلدة ابل السقي المجاورة) في كتابه "حكي قرايا... وحكي سرايا" تحت عنوان "اختلف البحر والريحّ طلعت الفلّة عالمركب" انه عندما انتهت الاحداث حضر العقيد في الجيش اللبناني جميل الحسامي واجرى صلحا بين ابناء القرية، والقى فيهم كلمة قال فيها ان زعماء لبنان اختلفوا في ما بينهم، لكنهم والحمد لله عادوا واتفقوا على مبدأ لا غالب ولا مغلوب. فقاطعه الخوري حبيب البديوي، كاهن القرية، وقال:  "اختلفوا واتفقوا ونحنا دفعنا الثمن، وصح فينا قول المثل : اختلف البحر والريح، طلعت الفلّة عالمركب". وفي 19 حزيران 1958 رفع الصليب الكبير على الايقونسطاس تقدمة عن روح الشاب الشهيد زغيب عازار زغيب الذي سقط خلال تلك السنة الاليمة.

توفي الخوري حبيب موسى البديوي عن عمر مديد عام 1965 بعد سنين طويلة قضاها في الخدمة بكل شجاعة وقداسة وكان نموذجا للكهنة الارثوذكسيين المسيحيين المحبين لشعبهم واصحاب المواقف.  وتعاقب من بعده الخوري جرجس سمعان من منطقة الكورة وتحديدا من بلدة كفتون الذي خدم بكل اخلاص الى حين وفاته في البلدة ونقل جثمانه الى مسقط رأسه بمواكبة كبيرة من اهالي راشيا. وخدم من بعده الخوري قسطنطين من بلدة بزيزا في الكورة، وفي هذه الفترة وتحديدا في 17-9-1966 قدم المغترب ضاهر الصباغ الى الكنيسة ايقونات صف الرسل.

الخوري موسى حبيب الخوري (البديوي)

عادت خدمة الرعية الى آل البديوي الذين اصبحوا يلقبون بعائلة الخوري وسيم الاب موسى حبيب البديوي عام 1973، وتدرج في الرتب الكهنوتية الى ان بلغ درجة اكسرخس التي منحه اياها بطريرك انطاكية وسائر المشرق اغناطيوس الرابع هزيم تقديرا لخدمته ونشاطه الذي شمل كل كنائس منطقة حاصبيا. وفي فترة الخوري موسى الحفيد شهد لبنان والجنوب وراشيا احداثا جساما لا زالت ترخي بظلالها على حاضر الكنيسة ومستقبلها.

وبفعل تطور الاحداث وتسارعها وجد الاهالي في كنيسة القديس جاورجيوس ملجأ لهم في الملمات والشدائد التي عصفت بالبلدة منذ عام 1967 ولا تزال، فكانوا يجتمعون فيها وينامون في حرمها وداخل هيكلها بسبب نقص الملاجئ، ولم يقصر "راعي الحصان" عن حماية الملتجئين الى حماه. واشتهرت الكنيسة وذاع صيتها بعيدا حتى اصبحت عبرة في الصمود وامثولة تتناقلها الاخبار والانباء عن تعلق الجنوبيين بأرضهم.

ونذكر في ما يلي زيارة عميد "النهار" غسان تويني وابنه الشهيد جبران تويني الى البلدة وتمضيتهم الليل مع الاهالي. كما نذكر زيارة الامام المغيب السيد موسى الصدر الذي ذهب للقاء الاهالي في الكنيسة تحت وابل القصف الاسرائيلي ووقف خطيبا عند باب الهيكل مشجعا الاهالي على الصمود والبقاء.

غسان تويني مفترشا

ارض الكنيسة مع الاهالي

وتحت عنوان: "النهار" تعيّد الاستقلال مع المنفيين على الحدود". كتب الياس الديري في 22 تشرين الثاني 1973 ، سهرت بعثة جريدة "النهار" مع الذين خسروا كل شيء ولم يبق لهم سوى كنيسة قديمة سقفها مقصوف يحتمون بها بعدما تهدمت منازلهم وبارت ارضهم  وسابت مواسمهم. البؤس النافر خارج اطار اية صورة تلتقطها الة التصوير تجده هنا في كنيسة القديس جاورجيوس حيث النساء مع اطفالهن يفترشون الارض وداخل الهيكل وفي المحمل الذي ينقلون فيه عادة موتاهم.

ارامل وايتام وكاهن صلب (الخوري موسى الخوري)، قوي العزيمة، قوي الارادة يلفك بنظرات هرب منها الحزن كما هرب منها اليأس قائلا: "سنبقى هنا ولا مكان أخر لنا الا هذه الكنيسة (...)". جلس غسان تويني وبعثة "النهار" على ارض الكنيسة يصغون الى المطالب والشكاوى ويتأملون في الوجوه والاعين، لقد تقلصت الضيعة الى كنيسة – مأوى والكل متروكون على الله (...).

الامام موسى الصدر

زائرا الكنيسة

وذكرت "النهار" ايضا في صدر صفحتها الاولى في الثاني من ايلول 1974 ان الامام موسى الصدر وقف يخطب في كنيسة راشيا الفخار امام المئات من اهالي البلدة الذين احتشدوا لسماعه،وقال : "ان صمودكم وصبركم هما ادانة للحاكمين الذين ينامون على الحرير في قصورهم وانتم تنامون على الارض في هذه الكنيسة".

وكان الامام زار راشيا برفقة اعضاء "هيئة نصرة الجنوب" التي يرئسها، وضمت المطران بولس الخوري راعي الطائفة الارثوذكسية في حاصبيا-مرجعيون،والمطران اثناسيوس الشاعر والمطران جورج حداد من طائفة الروم الكاثوليك والقس وديع انطون راعي الطائفة الانجيلية في صيدا والشيخ احد الزين القاضي الشرعي للطائفة السنية في حاصبيا، والشيخ نجيب قيس قاضي المذهب الدرزي في حاصبيا، والشيخ عبد الامير قبلان المفتي الجعفري الممتاز لجبل لبنان. وبعد اجتماع ل "الهيئة" في دار مطرانية الروم الارثوذكس في جديدة مرجعيون توجه الامام الصدر والمطارنة والشيوخ الى راشيا حيث توقفوا عند مشارفها وشاهدوا اثار الغارات الاسرائيلية على كروم الزيتون وجالوا في البلدة لمعاينة المنازل المهدمة والمتصدعة، ثم التقى الامام الصدر الاهالي المجتمعين في كنيسة القديس جاورجيوس شأنهم كل ليلة، والقى كلمة طويلة مما جاء فيها:

"ان وجودكم في بلدتكم يعني انكم مواطنون صالحون، وهذا يمنع الاسرائيليين من اخذ هذه البقعة الجميلة وتبقى لبنانية الى الابد (...).

انتم لبنان، وانتم علم لبنان،

انتم هذا البلد الجميل، وانتم حكامه الاصليون،

انتم تحافظون على كرامته، وستحافظون على الاجيال المقبلة،

انتم النبات الذي يزرع في الارض فيتعرض للرطوبة والحر والبرد، لكنه ينبت ويكبر وينتج.

لو لم يتعذب السيد المسيح، ولو لم يتآمر عليه اعدائه لما وصل الى هذا النور والحق.

جميع الانبياء مروا في هذه الصعوبات فهنيئا لكم الصعوبات التي تتحملونها، والنوم في الكنيسة دليل البطولة والحق .

ان صمودكم وصبركم هما ادانة للحاكمين الذين ينامون على الحرير في قصورهم وانتم تنامون في الملاجئ وعلى الارض (...)".

وفيما الامام موسى الصدر يتابع كلمته بدأ القصف الاسرائيلي فتنهد الامام وقال:"الله يصبركم ولكن لكل شيء نهاية".

"راعي الحصان"  يحميها

استمر مسلسل المآسي طويلا على راشيا ولبنان واستمر الاهالي في حماية القديس جاورجيوس الذي اصبح بيتهم وملجأهم وحصنهم في مواجهة الصعاب وكلما كانت القذائف تنهال على البلدة كان الاهالي يسيرون في اتجاه واحد الى الكنيسة حاضنة الكل.

عام 1976 واثناء الحرب اللبنانية تعرضت الكنيسة لقذيفتي مدفعية سقطتا على سطحها دون ان تؤديا الى اي اضرار رغم وجود العشرات داخل حرم الكنيسة، وروى شهود عيان من مرجعيون وإبل السقي ان غمامة زرقاء كانت تلف الكنيسة لحظة سقوط القذائف عليها، وهكذا انقذ "راعي الحصان" الكنيسة من مجزرة محققة.

شهدت راشيا خلال الاعوام 1977 و 1978 احداثا جساما ادت الى هجرة الاهالي في شكل شبه كامل ولم يبق فيها الا بعض المزارعين والعجزة صامدين داخل الكنيسة، بعدما احتلت المنظمات الفلسطينية المسلحة البلدة وحولتها الى ساحة حرب ومتاريس وقتال في مواجهة الجيش الاسرائيلي، وخلال هذه الفترة اقدم احد عناصر هذه المنظمات على اطلاق النار على صليب القبة بواسطة رشاش حربي وحطمه.

كانت الضربة الكبيرة التي اصابت الكنيسة خلال العام 1978 عندما تعرضت البلدة خلال العدوان الاسرائيلي وتحديدا "عملية الليطاني"، لعملية تدمير منهجية.  واستهدفت المدفعية والطائرات الكنيسة وحرمها في شكل مباشر، مما ادى الى تدمير مبنى المدرسة ومنزل الكاهن تماما، ومقتل اثنين من ابناء البلدة كانوا يحتمون في الكنيسة نتيجة القصف وقنابل النابالم المتساقطة، هما الشهيدين نعمة الله وهبي وسليمة سليمان زغيب واستشهد الياس ميخائيل الخوري اثناء نزوحه عن البلدة متأثرا بهول القصف. وكذلك اصيبت قباب اجراس الكنيسة اصابات مباشرة في اعمدتها وبدا ان محاولة جرت لأسقاطها وازالتها عمدا من الاسرائيليين.

الترميم الرابع

بهمة القوات النروجية العاملة في قوات الطوارئ الدولية

عقب العدوان الاسرائيلي الواسع العام 1978 عاد الاهالي تدريجا وبأعداد قليلة الى البلدة، مع انتشار قوات "اليونيفيل" في جنوب لبنان وشهدت المنطقة حالا من الهدوء، مما مكن الاهالي من التفكير في اعادة بناء ما تهدم، وهكذا بادرت السيدة سميرة طعمة دعبوس وبدعم مالي ولوجستي كامل من الكتيبة النروجية العاملة في اطار قوات الامم المتحدة الى ترميم كنيسة القديس جاورجيوس، وذلك بعدما اخذ الجنود النروجيون يصلّون في الكنيسة ويقيمون الخدمة الروحية البروتستانتية نتيجة عدم وجود كاهن ارثوذكسي. وبهمة النروجيين تم "تكحيل" الجدران من الخارج وطلاء الكنيسة من الداخل، اضافة الى ترميم "الايقونسطاس" وانارته وتقديم مذبح خشبي ثمين ومجموعة من الادوات الكنسية، وازيل ركام مبنى الرعية الذي كان يضم المدرسة ومنزل الكاهن وانجزت اعمال اخرى مختلفة اعادت الحياة الى الكنيسة.

الترميم الخامس

اعادة بناء قاعة القديس جاورجيوس

قبل سرد خطوات اعادة بناء المدرسة التي تحولت قاعة تابعة للكنيسة، ومنزلا للكاهن، لا بد من العودة قليلا الى تاريخ بناء المدرسة ومنزل الكاهن خصوصا ان لهذا المبنى حكاية عتيقة مضمخة برائحة التاريخ، تروى ولا تنفصل عن تاريخ تطور الكنيسة والبلدة، ورغم ان لا تاريخ محدد للبناء الا ان غالب الظن واستنادا الى رواية الاب موسى الخوري والشيوخ الاخرين انها بنيت بدعم من الجمعية الروسية التي نشطت في القرن التاسع عشر في بناء المدارس الارثوذكسية في كل انحاء لبنان ويذكر عيد العدس – ابو عفيف ان المدرسة كانت من طابق واحد ذات بهو واسع في الوسط، تحيط بها ست او سبع غرف للطلاب وكانت المدرسة مجللة بالقرميد الاحمر قبل ان يزال ويشاد طابق ثاني ضم منزل الكاهن.

ويروي الاديب الكبير ميخائيل نعيمة في كتاب سيرة حياته "سبعون" تحت عنوان المدرسة الروسية في بسكنتا ما كان من امر بناء هذه المؤسسة في بلدته وهذا ما يصح تاليا على بناء مدرسة راشيا الارثوذكسية: "الموسكوفي – نسبة الى موسكفا او موسكو - انقلبت في لغتنا الدارجة الى مسكوبي. واصبحت بلاد الروس تعرف عندنا ببلاد المسكب. جايي المسكب يفتح مدرسة ببسكنتا ! الله ينصرو ! . انتشر الخبر في البلدة (ويقصد بسكنتا) انتشار النور عند انبلاج الفجر. فاستقبلته الطائفة الارثوذكسية بالتهليل والتكبير ولا عجب. فقد كان من المسلّم به عند سكان لبنان في عهد المتصرفية ان روسيا هي الحامية التقليدية للروم، وفرنسا للموارنة، وبريطانيا للبروتستانت والدروز ، وتركيا للمسلمين. الا ان روسيا بزت منافساتها بأنها راحت تفتح للروم الارثوذكس مدارس مجانية في كل من فلسطين وسوريا ولبنان ، وبأن مدارسها كانت تنسق برامجها وادارتها على احدث طراز . ولم تكن تشترط على الارثوذكس في اي بلدة ترغب في ان تكون لها مدرسة روسية الا ان يتبرعوا بتشييد بناء لائق بالمدرسة. اما المعلمون والكتب والدفاتر والحبر والاقلام والاثاث وتكاليف الادارة فجميعهم وجميعها بالمجان.

وانبرى الروم في بسكنتا يتبرعون بسخاء، فمن لم يجد بماله جاد بعضلاته. وما هي الا سنة وبعض السنة حتى تيسرت لهم بناية ضخمة مسقوفة بالقرميد، وقائمة على حافة ساقية تعربد افظع العربدة في الشتاء وتخرس منتهى الخرس في الصيف. وقد رتبوا ساحة للعب امام البناء وفصلوه بحيث ان الدور السفلي منه كان قبوا يتسع لصف الصغار او البستان. اما الدور العلوي فيتوسطه بهو فسيح تقوم عن جانبيه ست غرف واسعة للتدريس ومرقمة من الواحد الى ستة (تماما مثل مدرسة راشيا)... وكانت صورة القيصر نقولا الثاني وزوجته  القيصرة في اطارين مذهبين تزينان صدر البهو الكبير".

اغلب الظن ان قصة مدرسة راشيا لا تختلف عن مدرسة بسكنتا ويؤكد حنا عازار زغيب  ان المدرسة شيدت خلال ايام تركيا مطلع القرن العشرين قبل اندلاع الحرب العالمية الاولى بفترة، وكانت مجللة بالقرميد الاحمر ومن افضل المدارس التابعة للطائفة الارثوذكسية في الجنوب قبل ان تعمد وزارة التربية اللبنانية الى ايجارها وتولي ادارتها بدلا من الطائفة. لكن الارثوذكس عادوا الى الامساك بادارة شؤونها اعتبارا من عام 1955 بعد قدوم الراهبات الباسيليات الشويريات الى راشيا وافتتاح مدرسة كاثوليكية ودير لهن قرب كنيسة التجلي في البلدة. وتولى المعلم اسبيريدون العدس (الذي اصبح كاهنا لاحقا) ادارة المدرسة الارثوذكسية يعاونه طاقم تعليم من مرجعيون منهم كوليت جبارة وجيزيل راشد وغيرهم. وتتأكد صحة هذه الواقعة من مقالة نشرها المثلث الرحمات المطران بولس الخوري في  مجلة "الارثوذكسية" عدد كانون الثاني وشباط 1955 ، لجهة انه استطاع ان يقوم ببعض الاصلاحات "بمعونة الله وبفضل المغتربين المحسنين وهمة المخلصين من المقيمين". وفي سرد هذه الاصلاحات يقول انه فتح مدارس جديدة في راشيا الوادي وراشيا الفخار وابو قمحة مع الابقاء على المدارس القديمة، والحقيقة كما اسلف القول ان المدرسة استعيدت من الدولة اللبنانية بعد نزاع معها. ويذكر المطران بولس الخوري ايضا انه قام بترميم الكنائس في مرجعيون والخربة والخيام وابل السقي وعين عطا وعين حرشا وراشيا الفخار وغيرها لكنه لا يقدم تحديدا واضحا لهذه الاصلاحات.

 تعاقب على التدريس في مدرسة راشيا الارثوذكسية عدد كبير من ابناء البلدة منهم: المعلم الياس يعقوب، رجا ابو سمرا، المعلمة رتيبة، اسبيريدون العدس، حنا زغيب، نظير بسيط، رشراش ابن الخوري حبيب البديوي، خليل بسيط، الياس عواد، المعلم ادمون من بلدة الشياح قرب بيروت واساتذة اخرون شباب من معاصر الشوف وراشيا ومرجعيون وانحاء لبنان استمروا في التدريس فيها حتى منتصف السبعينات وكان اخرهم الاستاذ جريس رشيد عواد. وتجاوز عدد تلاميذ المدرسة الارثوذكسية حسب حنا زغيب المئة تلميذ في شكل دائم كانوا ينتقلون بعدها الى مدارس مرجعيون وحاصبيا.

اما منزل الكاهن فقد جرى بناؤه مطلع الستينات على يد المعلم سليمان ابو شهلا وبهمة ابناء الرعية الارثوذكسيين، وسكن فيه بداية الخوري جرجس سمعان من الكورة الذي خدم في الكنيسة. ومن بعده الخوري موسى الخوري الى حين التهجير في العام 1978 وهدم الطائرات الاسرائيلية له تماما.   

اما قصة اعادة البناء فتبدأ خلال العام 1988 اثناء خدمة الاب اثناسيوس فرحات (من ابل السقي) في كنيسة القديس جاورجيوس، وقر الرأي بين مجموعة من ابناء الرعية وبتوجيه من الاب فرحات على اعادة بناء المدرسة وتحويلها الى قاعة عامة، وذلك بعدما انتفت الحاجة الى المدرسة نتيجة توجه الطلاب الذين بلغ عددهم انذاك حوال 80 الى مدارس مرجعيون وحاصبيا. وبعد اعداد الخرائط والمستندات اللازمة للقاعة العامة ومنزل الكاهن كاملة بواسطة المهندس وسام هايل مراد، جرى تقديم طلب مساعدة بهذا المعنى الى "مجلس كنائس الشرق الاوسط" وبلغت الاكلاف المقدرة تلك الايام حوالى 16 الف دولار اميركي. لكن الازمات التي ضربت لبنان مرة جديدة ادت الى تأجيل المشروع بعدما رصد له مجلس الكنائس مبلغ تسعة الاف دولار اميركي. فكان ان بادر المرحوم جورج معلوف الى التبرع ببناء قاعة القديس جاورجيوس عن نفس المرحوم ولده الشاب الشهيد يوسف معلوف استنادا الى الخرائط المعدة وهذا ما حصل.

وخلال العام 2004 بادرت مجموعة من المتبرعين والمحسنين الكرام من ابناء الرعية الى التبرع بإشادة بيت الكاهن حيث اعيد بناء المنزل. واستمر كذلك الى العام 2006 تاريخ بدء المشروع الكبير لترميم الكنيسة والقاعة ومنزل الكاهن بعد "حرب تموز 2006"، حيث جرى العمل على استكمال العمل في القاعة والمنزل او ما اصبح يعرف بالدير بكل اناقة وهندسة معمارية بفضل الدعم السخي الذي قدمته دولة قطر والمساعي الحثيثة التي قام بها السيد غسان ضاهر منصف ومجموعة من الشباب والشابات المندفعين والمتحمسين.

الترميم السادس

عقب "حرب تموز 2006"

في 16 تموز 2006 كان يفترض ان يحيي ابناء الرعية العشاء السنوي الاول عند نبع الحاصباني برعاية سيادة المطران الياس كفوري ، وكانت هذه المناسبة الاولى في تاريخ البلدة لجهة الهدف من الاجتماع الا وهو اعادة ترميم كنيسة القديس جاورجيوس بما يؤمن ابراز معالمها الاثرية والتاريخية. وتولت لجنة من شابات وشبان الرعية تنظيم العمل واعداد تفاصيله بأشراف كاهن الرعية المندفع الاب ميشال ابو حيدر الذي اعاد الحياة الى الكنيسة بتوجيه من المطران الياس كفوري بعد طول اهمال. لكن بدلا من الاحتفال عند الحاصباني اذا بالاهالي يحتمون داخل الكنيسة مرة جديدة خوفا من القصف بسبب "حرب تموز" التي اندلعت في 12 تموز 2006.  وتعرضت راشيا اعتبارا من ذلك اليوم الى قصف مدفعي وجوي عنيف احرق ما تبقى من اشجار الزيتون والتين والعنب في كروم البلدة التي كانت تنتظر موسم الصيف.

في 17 تموز وتحديدا عند التاسعة صباحا انهال وابل من قذائف المدفعية الثقيلة على محيط الكنيسة، وسقطت خمسة عشر قذيفة مدفعية من عيار 155 ميلليمترا، على حرم الكنيسة وبيت الكاهن وقاعة الاجتماعات الملحقة بها. واصابت احدى القذائف من النوع الحارق الحائط الجنوبي للكنيسة واخترقته وتسببت في اندلاع حريق داخلها قرب الايقونسطاس وتحديدا امام صورة السيدة العذراء والطفل الآلهي حيث كان يجتمع عشرات المواطنين والاطفال. ووسط الفوضى والصراخ والغبار المتصاعد تبين اصابة عدد من الاهالي بجروح طفيفة وحالات اغماء نتيجة القنبلة الحارقة.

احترقت ايقونة السيدة العذراء والطفل العجائبي وقدمت نفسها فداء عن الاهالي واطفالهم، لكن من شاهد القذيفة الفوسوفورية الضخمة من عيار 155 ميلليمترا، وحجم الدمار الذي احدثته يدرك فورا ان "عجيبة" حصلت وان العناية الآلهية والسيدة العذراء والقديس جاورجيوس انقذوا اللاجئين الى حمى الكنيسة المقدسة من مجزرة محتمة. في حين سقطت قذيفة اخرى على سطح الكنيسة انزلقت عنه وانفجرت في حقل قريب.

بعد انتهاء حرب تموز 2007 قر الرأي على اعادة بناء ما تهدم والشروع في اعادة ترميم الكنيسة، فتعهدت "منظمة فرسان مالطا" ممثلة بالاخت الراهبة اميلي طنوس مشكورة اعادة البناء وترميم الكنيسة اثريا، وهذا ما كان حيث انطلقت الاعمال لإنجاز هذا الهدف تحت اشراف مهندسي المنظمة المختصين بترميم الكنائس في الشرق، فجرى ترميم واعادة تاهيل مكان سقوط القذيفة عند جدار الكنيسة وداخلها امام حائط الايقونسطاس، وتم قشر جدران الكنيسة وتكحيلها من الداخل والخارج اضافة الى الاهتمام بترميم مداخل الكنيسة الثلاثة، وترميم قباب الاجراس وتلبيسها وغيرها من الاعمال الفنية، وتولى فرسان مالطا ايضا تكاليف التمديدات الكهربائية. في حين تعهدت شركة دباس للانارة  وانجزت مختلف اعمال الانارة في الكنيسة والدير ومحيطهما. وقامت "البعثة البابوية"  مشكورة بالمساعدة في اعمال ترميم مجموعة من الايقونات وامور اخرى، الى جانب دولة قطر التي ساعدت في اعمال مختلفة مثل المقاعد الخشبية الجديدة والنوافذ والابواب ومواد منع النش. فيما تولى بنك الاعتماد اللبناني ومجموعة من المحسنين من ابناء البلدة واصدقائها، المساعدة ترميم جزء من الايقونات واعمال تجميل السور الخارجي وتجهيز نظام الصوت في الكنيسة، وصولا الى تقديم كل ما احتاجته قاعة القديس جاورجيوس. الى ان انجزت الاعمال كاملة جميلة وبهية تليق بتراث الكنيسة الذي يمجد اسم الله عز وجل.  

ومن المهم التنويه هنا الا ان الكنيسة ورغم اعمال الترميم الضخمة التي كانت تجري فيها، الا انها نهضت متحدية الموت ومتغلبة على القذائف والحقد والتعصب الذي يريدها كنيسة خربة لا روح فيها ولا رجاء. وخلال عيد الميلاد 2006 قامت جوقة مطرانية زحلة الارثوذكسية وفي ابهى مظاهر الوحدة المسيحية بين الابرشيات المختلفة، بأحياء حفل ترانيم بيزنطية ميلادية تردد صداها بعيدا في هضاب وادي التيم وتلاله للمرة الاولى منذ زمن طويل. وحمل  12 مرتلا وكاهنا من مطرانية زحلة ترانيمهم الارثوذكسية الاصيلة من عاصمة البقاع الى سفوح جبل حرمون، واجتمع حولهم المؤمنون القلائل في الكنيسة  ومن امام حائط الهيكل الذي اصابته القذيفة الفوسفورية الاسرائيلية واحرقت ايقوناته وكانت المعجزة بنجاة الاهالي الذين كانوا في الكنيسة دون ان تمسهم شوكة، انطلق الجوق يرافقه صوت "تربيع" اجراس الكنيسة بالدعوة الى استقبال ملك الملوك والاله الذي كان قبل الدهور، وترنيمة "اليوم يولد من البتول (...)". وعلى مدى ساعة ونيف من الوقت عبقت جدران الكنيسة بأصالة الالحان البيزنطية العريقة، وتوشحت الكنيسة الاثرية العتيقة برداء الميلاد الارثوذكسي العريق تماما مثل سالف الايام في تاريخ الكنيسة التي ترفض الموت وتبتهج بالميلاد والقيامة والفرح الآتي الى ارض البشر. 

القديس مار جاورجيوس الشهيد

سيرته وشهادته

من مجلة "الفصول اللبنانية" العدد رقم 2 ، ربيع 1980 نقتطف المقالة الآتية عن القديس جاروجيوس للاديب والمؤرخ فؤاد افرام البستاني.

*مار جرجس من اكثر القديسين شهرة، واعظمهم شعبية في الشرق والغرب، واوسعهم ذكرا، واعمهم انتشارا، تكريما واستشفاعا في لبنان بأسره، ساحلا وجبلا. وقد كثرت الروايات في حياته واتسعت الحكايات في اعماله ومآتيه البطولية، واستفاضت الاخبار والاحاديث في كراماته وعجائبه، فتجاوز نطاق "سير القديسين" لدى المسيحيين، الى مجموعة "قصص الانبياء والاولياء" في الادب الاسلامي، وانتشرت في الحكايات الشعبية، والاناشيد الزجلية المتداولة جيلا عن جيل، حتى اختلط فيها التاريخ بالاسطورة، وتمثلت الحقيقة بصورةالرمز، بعد ان تبارى كبار الفنانين، غربا وشرقا، في اخراج ظفر البطل المناضل بالشرير الرجيم، وانتصار لافارس القديس للكنيسة على عدوها اللدود، ممثلا بالتنين الشرس.

اما خلاصة المعطيات التاريخية، المستندة في اساسها الى تاريخ اوسابيوس قيصر، ومؤسسات لاكتانسيوس وكلاهما من معاصري الامبراطور الروماني ديوقلسيانوس، مثير الاضطهاد الهائل ضد المسيحيين والذي كان من اولى ضحاياه القديس جاورجيوس. ولد الشهيد حوالى سنة 280 في اسرة مسيحية من سكان اللد في فلسطين، بين يافا واورشليم. وقيل بل هو ولد في برجه من يمفيليه في آسيا الصغرى، وقيل في نيقوميدية ونشأنشأة تقوية. حتى اذا بلغ السابعة عشرة انخرط في سلك الجندية، في كتيبة الخيالة. وسرعان ما ظهر فارسا ماهرا، فرقي في المراتب العسكرية حتى رتبة نقيب، اي قائد مئة. وعين في الحرس الامبراطوري في نيقوميدية العاصمة الشرقية للدولة الرومانية.

وكان ان الامبراطور ديوقلسيانوس (284-305 ) اثار اضطهادا عنيفا على المسيحيين دام من السنة 303 حتى السنة 313 وعرف باسمه، مع انه استمر حتى بعد اعتزاله الحكم سنة 305. واصدر بذلك منشورا امر بتعليقه على جدران البلاط الملكي. فدفعت الحمية القائد الشاب جاورجيوس الى ان اقدم على تمزيق المشور. فثار غضب الامبراطور، امر باعتقال الضابط، وكان في الثالثة والعشرين من عمره. ثم انزل به العذاب والتنكيل ليدفعه الى الندامة،واستغفار الآلهة  والتضحية لها. فلم يتراجع الخيال الشاب ورفض ان يشرك بالاله الواحد الحق. فامر الامبراطور بقطع رأسه(...).

وذاع صيت القديس وانتشر تكريمه فور استشهاده، بدليل ان الامبراطور قسطنطين الكبير (306-337) شيد في عاصمته الجديدة، القسطنطينية، كنيسة فخمة على اسم القديس جاورجيوس، ونقل اليها بعض ذخائر القديس . وهذه اقدم كنيسة بنيت على اسم القديس في الغرب، في حين ان اقدم الكنائس المشيدة على اسمه، بعد كنيسة القسطنطينية، كنيسة البثنية من اعمال حوران المشيدة سنة 367 .

اما التنين وأبنة الملك وقد اصبحا ملازمين لايقونة القديس، فينتج من تحريات الاباء البولونيين ان التنين يمثل ابليس اللعين، عدو الكنيسة وابنائها. كما ان ابنة الملك ترمز الى الكنيسة نفسها، عروسة المسيح، التي يهددها ابليس. فيكون ان القديس بإسقاطه الاصنام وطرده ابليس قد خلص الكنيسة من عدوها اللدود (...).

ويستنتج صالح بن يحيى (1436) في كتابه "تاريخ بيروت" المدون اوائل القرن الخامس عشر، وقال:"زعم النصارى ان في القدم خرج من بيروت تنين عظيم. فقرر اهل بيروت له في كل عام، بنتا يخرجونها اليه اتقاء لشره، فوقعت القرعة، في سنة من السنين، على صاحب بيروت. فاخرج بنته ليلا الى مكان موعد التنين، فتوسلت بالدعاء الى الله، فتصور لها مار جرجس القديس.فلما جاء التنين خرج عليه مار جرجس فقتله. فعمر صاحب بيروت في ذلك المكان كنيسة بالقرب من النهر. والنصارى تصوّر هذه الكائنة في سائر كنائس بلادهم وقل ما يخلو منها كنيسة. ويزعم النصارى ان مار جرجس من اللد، قتله ملك عبدة الاصنام. وله عيد مشهور عندهم في سائر البلاد  واهل بيروت المسلمين والنصارى يخرجون في ذلك العيد الى نهر بيروت ،والعيد المذكور دائما يكون في الثالث والعشرين من نيسان".

اما عيد مار جرجس او مار جاورجيوس فيحتفل به في سائر انحاء لبنان في 23 نيسان كل سنة وفي بعض انحاء لبنان يجري الاحتفال في 3 تشرين الثاني. ومن القرى والبلدات التي تكرم القديس جاورجيوس في الجنوب : ابو قمحة، القليعة، الهلالية، روم، قيتولي، المية ومية، رميش، دبل ، يارون، الكفير وشبعا. ومزار اوكنيسة ابو قمحة من الاعياد الشعبية المعروفة في الجنوب ولبنان. وثمة مديحة كبيرة للقديس جاورجيوس او مار جرجس تعود الى سنة 1607.

للوصول الى راشيا الفخار

للوصول الى راشيا الفخار طريقان الاول عبر صيدا - النبطية – مرجعيون ومنها في اتجاه ابل السقي. والثاني عبر طريق المصنع في اتجاه راشيا الوادي ومنها في اتجاه حاصبيا. ويتقاطع الطريقان عند مثلث سوق الخان-كوكبا- برغز، حيث يتجه الزائر صعودا في اتجاه جبل حرمون وصولا الى منطقة العرقوب وراشيا الفخار تحديدا. 

اعد بيار شكرالله عطاالله وجمع شمل هذا الكتيب ونسقه في تراتبية زمنية، مضيفا اليها الصور ليجعل منها الصفحات الموجودة في هذا الكتيب، كي لا تضيع وكي يعمل الجيل الجديد على حفظ ما وصله من تراث وقيم وايمان ولا يفرط بها.

   
  ^
  ^
  ^
    ^    
Copyright Pierre Atallah - 2001-2002, all right reserved